محمد أبو زهرة
1534
زهرة التفاسير
شاكلتهم ، ولقد وجهت إليهم جريمة الماضين منهم ؛ لأن وصف التعنت الذي أدى إلى ما كان من الأسلاف قائم في الأخلاف ، ولأنهم راضون عن أعمالهم ، فكان حقا أن يخاطبوا بجريمتهم ؛ ولأنهم تكلموا عن الماضين منهم بأنهم منهم فقالوا : إن اللّه عهد إلينا ، مع أن الأمر كان في هؤلاء الماضين لا فيهم ، لذلك كان عليهم أن يتحملوا وصف الإجرام الذي وقع من الماضين حتى يتخلصوا من تلك الأمة الخاسرة ، ويدخلوا في أمة الإيمان وأهل الإذعان . ولقد بين اللّه لنبيه أن هؤلاء جنس قائم بذاته تعود التكذيب ، فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ، ولذا قال سبحانه : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ البينات هي الآيات المبينة للحق ، الموضحة له ، وهي الأدلة التي يتحدى بها النبي من الأنبياء قومه ليثبت لهم رسالته ، والزبر جمع زبور ، وهو الصحيفة أو الكتاب أو هو جمع جمع لزبر ، وهو الأمر الشديد ، وخص الزبور بالكتاب المنزل على داود عليه السلام وقال تعالى : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 55 ) [ الإسراء ] وقرئ زبورا بضم الزاي « 1 » كقولهم في جمع ظريف ظروف ، أو يكون جمع زبر وزبر مصدر سمى به كالكتاب ، ثم جمع على زبر كما جمع كتاب على كتب ، وقيل بل الزبور كل كتاب صعب الوقوف عليه من الكتب الإلهية ، وقال بعضهم : الزبور اسم للكتاب المقصور على الحكم العقلية دون الأحكام الشرعية ، والكتاب اسم لما يتضمن الأحكام الشرعية . وخلاصة القول أن اللّه تعالى يخفف عن نبيه صلى اللّه عليه وسلم تكذيب أولئك الضالين الجاحدين فيبين أن الأنبياء قبله قد جاءوا بالمعجزات القاطعة المثبتة للرسالة ، ومعهم الأوامر الإلهية المشددة الزاجرة ، ومعهم الكتاب المبين التي اشتمل على ما فيه مصلحة الدنيا والآخرة ، ومع ذلك كفروا بآيات ربهم ، وأنكروا الرسالة مع قيام
--> ( 1 ) وهي قراءة حمزة وخلف ، وقرأ الباقون بفتح الزاي . غاية الاختصار ج 2 ص 468 .